أزمة ثقافة من أزمة المثقف

313
الولي سيدي هيبه

إن الخطاب النقدي جزء لا يتجزأ من الواقع الثقافي القويم، وغيابه يعني حتما نضوب منابع العطاء والإبداع وأفول النخب بعد العجز عن الإنتاج ولعب الأدوار المنوطة بها على اخلافها وتكاملها.

ولا شك أن الراصد للفعاليات الثقافية الشحيحة والكتابية الواهنة والمعالجات الغائبة من الكتاب والمثقفين في بالد التناقضات الكبرى، لا بد سيتبين ذلك الأفول جليا من خلال هزال إصداراتهم الشحيحة في مجال البحث والعجز المكشوف عن المعالجة الضرورية لقضايا الوطن الكبرى التي تحف بها مطامع التغيير والتأليب والمسخ.

مقلق تماما هو الوضع الثقافي المتردي لبلد الادعائية المفرطة بالمثالية المعرفية واخفاء الركود وراء العناوين الكبيرة؛ وهو الوضع المرشح لمزيد من سوء مع انصراف أفراد “النخبة”، القليلين عددا والمتفاوتين بشدة في مستوى المعارف والأداء والمنتج، إلى السياسة لتحصيل منصب في منظومة الحكامة مقابل ما يدر. حقيقة يكشف عنها غيابهم عن ساحة الفكر والاثراء مقابل حضورهم اللافت في التظاهرات السياسية إلى جانب قيادات الأحزاب، يكثرون من الابتسام المجامل ولا ينقطعون عن التصفيق الذي ينضح مراء.

إنها نخبة بلد “المليون شاعر” وبلاد ” شنقيط” وأرض “المنارة والرباط”. عناوين وإن أبهرت لوهلة بجمالها فإنها بما اختلسته أجيالُ “ما بعد الاستقلال” من حيوية ماضي هذي الأرض الوضاء قد أطفأت ذاك الوهَج الذي كان ولم تُحين قراءتَه ليظل جوهرُه الخالد مرجعا ومنطلقا وأساسا لاستمرار بناء هرم الكيان إلى أعلى. بل على العكس من ذلك ظلت “صفوة” كل الأجيال التي تعاقبت تُغطي على عجزها عن بلوغ شأو أو بناء قدرة على التجديد والخلق والابداع حتى أدركتها قوةُ النقد الملحمي الحداثي الذي يزداد حدة وحماسا لألا يبقى فقط إلا ما يستحق البقاء وليتم التخلص من لغة “التمجيد” الأسطوري “الهوميرسي” بالنسج على منوال “الإلياذات” الخرافية التي عفا زمانها.

وتتجلى بوضوح أزمة هذه النخب التي تنازلت عن نخبويتها أو سلبت إياها بسقوطها عبى ثلاث جبهات في أيدي الرداءة وبراثين التقهقر أمام ضربات النقد الكاسح من تيار وعي جديد ينشد المراجعة في كل شيء يندرج ضمن الميراثين المحسوس Tangible والغير محسوسIntangible، مراجعة تصحح المفاهيم ٍوالمنطلقات  و المرجعيات وتحقق المراجع والمصطلح والآثار في الشكل والفحوى والنسبة في الإطارين الزمني و المكاني. وهي المراجعة التي ستصحح الميراث وتنقيته من المثالب التي أقلها  

أما المحور الأول فجبهة اللغة العربية، لغة البلد الرسمية بحكم الدستور والمعتقد الواحد لكل مكونات البلد التي لم تستطع النخبة تثبيت حقها بحق الجميع في تعلمها بحب وشغف كما كان الحال من قبل إلى أن تبنت كل المكونات مذاهب انتمائية ضيقة لتصدع العقد وتهتز الثقة ويخترق الغلو والانكسارية أسوار اللحمة والوحدة الوطنية،

وأما المحور الثاني الذي هو محور “الرق” و”مخلفاته” وتداعيات تناوله وتأثيرات ذلك على المعالجة العصرية الفالتة من الكرتيزية “الموقفية” والأمانة العلمية؛ التأثيرات التي يريد روادها للملف أن يطوى بجرة قلم وصمت مطبق على خلفية:

ـ جملة القرارات التي اتخذت بإلغائه،

ـ وحزمة القوانين المجرمة له والمعاقبة عليه التي سنت،

ـ بعض السياسات لمحاربة مخلفاته.

ولكن هيهات أن يكون الأمر كذلك دون التحلي بأعلى مستويات الوعي الحداثي للوصول إلى أرضية التناول؛ تلك التي تضع الأمور نهائيا في نصابها وتحقق الحلول المنطقية التي ترسخ دولة القانون والمواطنة العادلة في الأذهان وفي السلوك.

ويتعلق المحور الثالث بمراجعة قراءة الأحداث التاريخية وتأويلاتها، وتحيين مادة “التاريخ” هذه الزاخرة، رغم ضعف إدراك النخبة لذلك والبعد عن الأخذ به في السوك العلمي والمنهاج التعليمي العام، بأسباب الوحدة واللحمة التي تصلح لبنات مؤكدة لأساسات يرفع عليها الحاضر بكل متطلبات المستقبل الآمن.

وبالطبع فإن الشواهد، وبكثرة، ماثلة لذي عينين ولب فاحص، أنه لم تلعب ولا تفعل النجب الأدوار الإيجابية المطلوبة بإلحاح مع ذلك في أي من هذه المحاور، بل وإنها في سلبية استنزافية تساعد هذه النخب بـ”المهرجانات” في كل من:

ـ الحقل الأدبي،

ـ والمجال التاريخي،

ـ والفضاء العلمي

العقيمة جميعها وجميع الاهتمامات الغرضية على خلفية لا تكاد تخفى من الارتكاس والغياب والخروج من دائرة السمو عن الماديات، وبضعف يفقأ العيون في بزوغ شمس المرجفين والانفصاليين والحاقدين والمتدثرين بقضايا حقيقية للوصول بها جسرا متينا إلى مآرب أشد خبثا وأعتى بأسا وأشد ظلما. هل تغير النخب ما بها لتعلب دورها أم تظل تلهث وراء ما تنهى عنه الثقافة من استبدال التحصيل العلمي والمعرفي والقيمي بالتحصيل المادي المصاب بلعنة الخروج عن دائرة الأنوار الداخلية والتوازن النفسي السامي؟

Print Friendly, PDF & Email